الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يقصد منه التقريب . والمعنى : ليظهر اضطراب الناس في ضبط تواريخ الحوادث واختلال خرصهم وتخمينهم إذا تصدوا لها ، ويعلم تفريط كثير من الناس في تحديد الحوادث وتاريخها ، وكلا الحالين يمت إلى الآخر بصلة . [ 13 ، 14 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 13 إلى 14 ] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) لما اقتضى قوله : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى [ الكهف : 12 ] أن في نبأ أهل الكهف تخرصات ورجما بالغيب أثار ذلك في النفس تطلعا إلى معرفة الصدق في أمرهم ، من أصل وجود القصة إلى تفاصيلها من مخبر لا يشك في صدق خبره كانت جملة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ استئنافا بيانيا لجملة لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [ الكهف : 12 ] . وهذا شروع في مجمل القصة والاهتمام بمواضع العبرة منها . وقدم منها ما فيه وصف ثباتهم على الإيمان ومنابذتهم قومهم الكفرة ودخولهم الكهف . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ يفيد الاختصاص ، أي نحن لا غيرنا يقص قصصهم بالحق . والحق : هنا الصدق . والصدق من أنواع الحق ، ومنه قوله تعالى : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ في سورة الأعراف [ 105 ] . والباء للملابسة ، أي القصص المصاحب للصدق لا للتخرصات . والقصص : سرد خبر طويل فالإخبار بمخاطبة مفرقة ليس بقصص ، وتقدم في طالع سورة يوسف . والنبأ : الخبر الذي فيه أهمية وله شأن . وجملة إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ مبينة للقصص والنبأ . وافتتاح الجملة بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام لا لرد الإنكار .